الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال
رسالة الطيف لابن دانيال 8
رسائل طيف الخيال في الجد والهزل
الأمير وصال ، ورجوعي من الموصل الحدباء إلى الديار المصرية ، في الدولة الظاهرية ، سقى اللّه عهدها ، وأعذب في الجنان وردها ، وجدت تلك الرسوم دارسة ، ومواطن أنسها غير آنسة ، عافية الآثار ، ساقطة الحد بالعقار ، وقد هرم / [ 9 / ب ] أمراء السلطان جيش الشيطان فانكفت ألسنة الخراطي ، وكسرت الأقداح والبواطي ، وتأذى الخلّاع غاية الأذية ، وصلب خمار وفي عنقه نباذيّة وصلب ، وأنشد الحال وقال من قال : لقد كان حدّ السكر من قبل صلبه * خفيف الأذى إن كان في شرعنا حدّا فلما بدا المصلوب قلت لصاحبي * ألا تب فإن الحدّ قد جاوز الحدّا « 1 » ثم شاعت الأخبار ، وقوي الإنكار / [ 11 / أ ] وانكسر الخمّار ، وانطحن المزار ، وانزوى المسطول في القرنة الغبراء ، وصارت كل يابسة بين يديه خضراء ، وتقرن في الأصفاد ، وبات محمص الفؤاد ، فدعاني بعض الإخوان إلى محله ، وأنزلني بين قومه وأهله ، فاعتذر إليّ من قصوره في إكرامي ، ولاختصاره في الضيافة إذ لم يأت بمرامي وقال : غلب على ظني أن أبا مرّة « 2 » قد مات وعدّ من الرفات فقم بنا نبكيه ، ونندب حاله ونرثيه فابتديت / [ 11 / ب ] وقلنا بيتا ببيت وينشد :
--> ( 1 ) حقا إن اللّه يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن لقد كان الظاهر بيبرس من الرجال أو الحكام الصالحين الذين أخذوا على أنفسهم أن يقيموا شرع اللّه تعالى بين الناس وفي البلاد فشاع في عهده السكون والهدوء وعلا الحق وظهر واندحر الباطل ونحسر ، وما ذلك إلا بأخذه على يد أهل الضلال ونصرته لأهل الخير والبر والمعروف ، مما هيأ الفرصة لمن أراد أن يعود إلى اللّه تعالى من العصاة والشاردين عن نقل الطاعة والإيمان ، فلما أن وجد أهل الضلال أن قبضته على الأمور قوية وعزيمته فتيه أقلعوا عن منكرهم بقوة السلطان وعاد بعضهم إلى حقيقة الإيمان فاللهم أهد حكامنا إلى طريقك المستقيم لتأمن البلاد ويسعد العباد . ( 2 ) أبو مرة : هي كنية إبليس اللعين الشيطان الرجيم ، وظهر من الخير السكينة والسرور ما جعل أصحاب الشرور يظنون هذه الظنون وتنقظع منهم الآمال في رجوع الحال إلى ما كان عليه من الفساد . فلو أن الحاكم أخذ على أيدي أهل الضلال أخذ أهل الحق والشرع لا تصلح حال العباد والبلاد وساد الرخاء وعم الخير وانتشر الأمن وساد العلم وخفت الجهل وشرأبت أعناق دعاة الفضيلة ونكست رؤوس دعاة الرذيلة وعلا صوت الشرع وخرس نباح الباطل . آه لو جرب حكام اليوم شرع اللّه مرة بدلا مما هم فيه التبعية لعباد الصليب والذهب ودعاة الدعارة وتجار النخاسة لعرفوا أن ما تركوا خيرا مما أخذوا عند اللّه وعند الناس ولكن هو هدى اللّه يهدي إليه من يشاء فلو شاءوا لسهّل لهم الأمر ووفقهم إليه .